الشيخ علي المشكيني

469

الأصول (مشتمل على تحرير المعالم واصطلاحات الأصول)

فمعنى « لا تشرب الخمر » و « لا تكذب في القول » اطلُب عدم الشرب وترك الكذب ؛ وعند بعض المحقّقين هو عبارة عن الزجر الإنشائي المتعلّق بوجود الفعل ، فَعلى هذا يختلف النهي مع الأمر بحسب الحقيقة والماهيّة ؛ إذ الأمر هو البعث الإنشائي نحو وجود الشيء في مقابل البعث التكويني ، والنهي هو الزجر الإنشائي عن الوجود في مقابل الزجر التكويني ، ويتّحدان في المتعلّق ؛ فإنّ المتعلّق في كِلَيهما هو الوجود . ثمّ إنّ في بيان حدود ماهيّته وتعيين متعلّقه على كِلا القولَين اختلافاً من جهات : الأولى : أنّه هل هو عبارة عن مطلق الطلب أو الزجر فيشمل الكراهة ؟ « 1 » أو هو عبارة عن الطلب أو الزجر الأكيدين فلا يشمل الكراهة ؟ « 2 » الثانية : هل يشترط في حقيقته صدوره عن خصوص العالي ، أو عن خصوص المستعلي ، أو صدوره عن أحدهما ؟ أو لا يشترط شيء منها فيه ؟ خلاف وأقوال ، مضت في باب الأمر . الثالثة : بناءً على كون حقيقته هو الطلب ، فهل يكون متعلّقه مجرّد ترك الشيء نحو ، أو هو كفّ النفس عن الشيء ؟ فَعلى الأوّل يكون معنى « لا تشرب الخمر » اطلب عدم تحقّق شرب الخمر ، وعلى الثاني يكون المعنى : اطلب كفّ النفس عن شربها . وحينئذٍ : لو كفّ المكلّف نفسه على شربها وتركها عن اشتياق إلى الشرب ، تحقّق الامتثال على كِلا القولَين ، واستحقّ المثوبة ، ولو تركها مع عدم الميل إليها لم يتحقّق الامتثال واستحقاق المثوبة على الثاني ؛ إذ كفّ النفس عن الشيء فرع ميلها واشتياقها إليه ، ويتحقّق على الأوّل . [ 96 ] النهي عن الشيء يقتضي الفساد أم لا ؟ « 3 » وقع البحث بين الأصوليين في أنّ تعلّق النهي بشيءٍ هل يقتضي فساده أم لا ؟ وليُعلم أوّلًا : أنّ مورد الكلام هي الأفعال القابلة لِأن تتّصف بالصحّة بمعنى كونها تامّةً واجدةً للآثار المطلوبة منها ، وأن تتّصف بالفساد بمعنى كونها ناقصةً فاقدةً لتلك الآثار ؛ وذلك

--> ( 1 ) . هداية المسترشدين ، ج 3 ، ص 5 . ( 2 ) . دروس في علم الأصول ، ج 1 ، ص 203 . ( 3 ) . عدّة الأصول ، ج 1 ، ص 260 ؛ معالم الدين ، ص 96 ؛ كفاية الأصول ، ص 180 .